ابن الأثير
668
أسد الغابة ( دار الفكر )
وقد اختلف في خراسان ، فقال بعضهم : فتحها عمر ، ثم انتقضت بعده ففتحها عثمان . وقيل : إنه لم يفتحها ، وإنما فتحت أيام عثمان . وهو الصحيح . وأدرّ العطاء على الناس ، ونزّل نفسه بمنزلة الأجير وكآحاد المسلمين في بيت المال ، ودوّن الدواوين ، ورتّب الناس على سابقتهم في العطاء والإذن والإكرام ، فكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه ، وكان على أوّلهم . وكذلك فعل بالعطاء ، وأثبت أسماءهم في الديوان على قربهم من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فبدأ ببني هاشم ، والأقرب فالأقرب . أنبأنا القاسم بن علي بن الحسن إجازة ، أنبأنا أبى ، أنبأتنا فاطمة بنت الحسين بن الحسن ابن فضلويه قالت : أنبأنا أبو بكر أحمد بن الخطيب ، أنبأنا أبو بكر الحيريّ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا الرّبيع قال : قال الشافعيّ : أخبرني عمى محمد بن علي بن شافع ، عن الثقة - أحسبه محمد بن علي بن الحسن أو غيره - عن مولى لعثمان بن عفان قال : بينا أنا مع عثمان في مال له بالعالية [ ( 1 ) ] في يوم صائف ، إذ رأى رجلا يسوق بكرين [ ( 2 ) ] ، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر ، فقال : ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح . ثم دنا الرجل فقال : انظر من هذا ؟ فنظرت فقلت : أرى رجلا معتمّا بردائه ، يسوق بكرين . ثمّ دنا الرجل فقال : انظر . فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقلت : هذا أمير المؤمنين . فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا نفح السموم ، فأعاد رأسه حتى حاذاه ، فقال : ما أخرجك هذه الساعة ؟ فقال : بكران من إبل الصدقة تخلّفا ، وقد مضى بإبل الصدقة ، فأردت أن ألحقهما بالحمى ، وخشيت أن يضيعا ، فيسألني اللَّه عنهما . فقال عثمان : يا أمير المؤمنين ، هلمّ إلى الماء والظل ونكفيك . فقال : عد إلى ظلك . فقلت : عندنا من يكفيك ! فقال : عد إلى ظلك . فمضى ، فقال عثمان : من أحب أن ينظر إلى القوى الأمين فلينظر إلى هذا ! فعاد إلينا فألقى نفسه . روى السّرىّ بن يحيى ، حدثنا يحيى بن مصعب الكلبي ، حدثنا عمر بن نافع الثقفي ، عن أبي بكر العبسيّ قال : دخلت حين الصدقة مع عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، فجلس عثمان في الظل ، وقام عليّ على رأسه يملى على ما يقول عمر ، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر ، عليه بردتان سوداوان ، متزر بواحد وقد وضع الأخرى على رأسه ، وهو
--> [ ( 1 ) ] العالية : كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة العالية ، وما كان دون ذلك السافلة . [ ( 2 ) ] البكر - بفتح الباء وسكون الكاف - : الفتى من الإبل .